١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


تعريف القصص

الحوار القصصي في الواقع يمثل وسيلةً هامةً، وبارزة، ومؤثرة من وسائل الدعوة إلى الله -عز وجل.
ولنبدأ أولًا: بتعريف القصص:
فالقصص جمع: قصة، والقصة: هي المتابعة، وذلك أن القاصَّ يتبع الخبر بعضه بعضًا، تقول: قص أثرَه يقصه قصًا وقصصًا: تتبعه واقتفاه، قال تعالى: ((وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيه)) [القصص: من الآية: ١١] أي: تتبعي أثره.
والقص: البيان، ومنه قوله تعالى: ((فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [الأعراف: ١٧٦] وقوله: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)) [غافر: من الآية: ٧٨].
والاسم منه: القصص، والقاصُّ: من يأتي بالقصة على وجهها؛ لأنه يتتبع معانيها وألفاظها، أو هو قاصٌّ؛ لأنه يقص القصص تِباعًا، خبرًا بعد خبر، وجمع القاص: قُصاص -بضم أوله- والقِصة بالكسر: الأمر، والحديث، والخبر، كالقَصص بالفتح، وتجمع على قِصص بالكسر كعنب، وجمع الجمع: أقاصيص، وإذا قلنا: قَصص بالفتح فهو بمعنى: الخبر المقصوص، وُضع موضع المصدر. هذا عن التعريف اللغوي.
أما تعريف القَصص في الاصطلاح فهو: إخبار الله -عز وجل- عمَّا حدث للأمم السابقة مع رسلهم، وما حدث بينهم وبين بعضهم، أو بينهم وبين غيرهم أفرادًا وجماعات، من كائناتٍ بشرية أو غير بشرية؛ للهداية والعبرة.


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


استخدام القرآن الكريم للأسلوب القصصي في الدعوة، وأغراضه

ولقد استخدم القرآن الكريم كما استخدمت السنة النبوية المطهرة الحوار القصصي، كوسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية، ومن هنا يختلف القصص القرآني والنبوي عن غيره من القصص في ناحية أساسية، هي: ناحية الهدف والغرض الذي جاء من أجله، ذلك أن القرآن الكريم لم يعرض القصة؛ لأنها عمل فني مستقل في موضوعه، وطريقة التعبير فيه، كما أنه لم يأت بالقصة من أجل التحدث عن أخبار الماضين وتسجيل حياتهم وشئونها كما يفعل المؤرخون، وإنما كان عرض القصة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة مساهمةً في الأساليب العديدة التي سلكها القرآن الكريم، والتي سلكتها السنة النبوية؛ لتحقيق أهدافها وأغراضها الدينية التي جاء بها القرآن الكريم، وجاءت بها السنة النبوية المطهرة.
وهذا يدفعنا إلى السؤال: ما هي أغراض القصص في القرآن الكريم؟ أو لماذا عُني القرآن الكريم بالقصص؟
والواقع أن القصص في القرآن الكريم كانت له أغراضه وأهدافه، والتي منها: إثبات الوحي والرسالة، فإن ما جاء به القرآن الكريم لم يكن من عند محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وإنما هو وحي أوحاه الله تعالى إليه وأنزله؛ هداية للبشرية، فحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أخبار الأمم السالفة وأنبيائهم ورسلهم بهذه الدقة، والتفصيل، والثقة، والطمأنينة، مع ملاحظة ظروفه الثقافية والاجتماعية، كل ذلك يكشف عن حقيقةٍ ثابتة، وهي: تلقيه هذه الأنباء وهذه الأخبار من مصدر غيبي مطلعٍ على الأسرار، وما خفي من بواطن الأمور، وهذا المصدر هو الله -سبحانه وتعالى.

١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


وقد نص القرآن الكريم على أن من أهداف القصة وأغراضها هذا الغرض السامي، وذلك في مقدمة بعض القصص القرآنية، أو ذيلها، فقد جاء في سورة يوسف: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ))[يوسف: ٣] وجاء في سورة القصص بعد عرضه لقصة موسى: ((وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) [القصص: ٤٤-٤٦].
وجاء في سورة آل عمران في مبدأ قصة مريم: ((ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)) [آل عمران: من الآية: ٤٤].
وجاء في سورة ص: ((قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإٍ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ)) [ص: ٦٧-٧٠].
وجاء في سورة هود بعد قصة نوحٍ -عليه السلام-: ((تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ))(هود:٤٩).
فكل هذه الآيات الكريمة وغيرها: تشير إلى أن القصة إنما جاءت في القرآن الكريم تأكيدًا لفكرة الوحي التي هي الفكرة الأساس في الشريعة الإسلامية.


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


كذلك من أغراض القصص القرآني: بيان نصرة الله -عز وجل- لأنبيائه، وأن نهاية المعركة تكون في صالحهم مهما لاقوا من العنت، والكذب، والجور، والتكذيب، كل ذلك تثبيتًا لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وتأثيرًا في نفوس مَن يدعوهم إلى الإيمان: ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) [هود: من الآية: ١٢٠].
وتبعًا لهذا الغرض وردت بعض قصص الأنبياء مؤكدةً على هذا الجانب؛ بل جاءت بعض هذه القصص مجتمعة ومختومة بمصارع مَن كذبوهم، وقد يتكرر عرض القصة نتيجة لذلك، كما جاء في سورة هود والشعراء والعنكبوت.
ولنضرب مثلًا من سورة العنكبوت: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [العنكبوت: ١٤-١٦] إلى أن يقول: ((فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ...)) [العنكبوت: ٢١] إلى آخر الآيات.
وفي موضعٍ آخر: ((وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ...)) إلى أن يقول: ((إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي ...

١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [العنكبوت: ٣٤-٤٠].
فهذه هي النهاية الحتمية التي يريد أن يصورها القرآن الكريم لمعارض الأنبياء، والمكذبين بدعوتهم.
كذلكم فمن أغراض القصص القرآني:
الدعوة إلى توحيد الله -عز وجل- فلم يرسل الله -سبحانه وتعالى- رسولًا قط إلا بدعوة قومه إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- ونبذ عبادة ما سواه، قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: ٢٥]. وكذلك الدعوة إلى أصول الديانات من البَعث، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والأخلاق العامة التي لا تصلح المجتمعات بدونها، وفي ذلك يقول -عز وجل- في قصة نوحٍ -عليه السلام-: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [المؤمنون: ٢٣].
وقال في شأن صالح -عليه السلام-: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ)) [النمل: ٤٥]. ويوسف -عليه السلام- وهو في السجن يأمر صاحبيه بالتوحيد فيقول تعالى فيما يحكيه عنه: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [يوسف: ٣٩-٤٠].


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


انظر: هل تجد حرصًا على نشر الوحدانية أكثر من هذا الحرص، فيوسف -عليه السلام- في السجن يدعو إلى توحيد الله تعالى، ولكي يتمكن التوحيد في قلب كلٍ مِن صاحبيه يؤخر -عليه السلام- تأويل الرؤيا في قوله: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)) [يوسف: ٤١].
فليس المهم الرؤيا وتعبيرها، وإنما توحيد الله -عز وجل- وعدم اتخاذ أربابًا معه.
كذلكم فمن أغراض القصص القرآني:
بيان أن الدعوة إلى الله -عز وجل- لا تكون بأجر، ذلك أن الدعوة التي تكون بأجر ترتبط بهذا الأجر، ولا تنفك عنه، فإن هو أعطى أجره سلك مسلك الدعاة، وإن مُنع الأجر تخلى عن الدعوة، وبهذا يكون الدافع المحرك للدعاة ماديًّا، وتكون المادة بالتالي أولى بالحصول عليها من الكسب المعنوي الذي يحصل عليه الداعي في هداية البشر، والدعوة التي ترتبط بالمصلحة الشخصية وبالنفع المادي لا يمكن أن ترتفع إلى المستوى الإنساني، لا من قِبل الداعي ولا من قبل المدعوين أنفسهم، إذ هم لم يفرقوا بَعْدُ بين الإيثار والأثرة، أو بين حياة الروح وحياة الجسد.
ويَلفت الرسول الكريم النظر إلى هذا الجانب، فيقول: ((لِأَنْ يهدي الله على يديك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغرُبت)).
ولو عمل الدعاة من أجل المادة وحدها سقطوا من أعين الناس، وسقطوا كذلك من عين الله؛ حيث إنهم لم يقصدوا بعملهم وجه الله تعالى، ومن هنا يكلُِهمُ الله إلى ما قصدوه، وحسبهم أن المادة هي التي توجههم، وليس الأمر بالدعوة، وهم إن غفلوا عن هذه الحقيقة فلا أمر في إنجاح دعوتهم مهما طال بهم الزمن، إن صاحب الدعوة قُدوة، ولا يستجيب له مَن لم يجده أهلًا للاقتداء به.


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


ولقد كانت الدعوة بدون أجر سنة الرسل -عليهم السلام- فقد حكى الله تعالى عن نوحٍ، وصالح، ولوط، وشعيب، أن كلًّا منهم قال لقومه: ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء: ١٠٩].
كما حكى -عز وجل- عن هودٍ -عليه السلام- قوله: ((يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [هود: ٥١].
كذلك فإن من أغراض القصص القرآني:
بيان ما عناه الرسل -عليهم السلام- من قومهم، فنوح -عليه السلام- سخروا منه، وهود -عليه السلام- قالوا له: ((إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) [الأعراف: ٦٦] وإبراهيم -عليه السلام- ألقَوه في النار، وشعيب -عليه السلام- قالوا له: ((مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ))(هود: من الآية: ٩١) وعيسى -عليه السلام- أرادوا أن يقتلوه.
وهذه الصور وغيرها كثير من ألوان الصبر على الجهاد، تقوي من قلوب الدعاة إلى الله -عز وجل- فأشد أنواع العذاب قد لحِق بالرسل -عليهم الصلاة والسلام- ولولا ذلك لَمَا نجحت لهم دعوة، وهم -صلوات الله وسلامه عليهم- يدركون مدى العِبء الذي يقومون به، من حيث إنهم ينقلون الناس من عقيدةٍ إلى عقيدة، وذلك يستلزم تطهير القلوب مما تمكن فيها من الباطن الراسخ، الذي ورثوه عن الآباء والأجداد، وذلك يستلزم كثرة المواقف، وطول الجدال، وتحمل كلام الخصم، والرد عليه برفق، وبسط الأمور أمامه بالعقل والمنطق؛ حتى يلين.


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


ونتيجة صبر الرسل وإصرارهم على الدعوة يجعل بعض القلوب حتمًا ترضخ بصاحب الدعوة، إذ لم يخلق الله الناس جميعًا أشرارًا؛ بل منهم من يتأمل كلام المرسلين، وإنهم لا غاية لهم فيهم، ولا غرض، اللهم إلا إنقاذهم من عذابٍ أليم.
وتأمل هذه الآية الكريمة: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [النساء: من الآية: ٦٤] ولو كان الذين يستجيبون قلة فهذا كسب لصاحب الدعوة، وثمرة لجهاده الأكبر في سبيل دعوته.
ويتأكد صبر الرسل في أننا لا نعلم أن أمةً بأثرها قد انقادت لأحدٍ من المرسلين على كثرتهم، إلا قوم يونس -عليهم السلام- بعد ابتلاء الله الشديد لهم، قال تعالى: ((فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)) [يونس: ٩٨].
وصبر الرسل -عليهم السلام- يعود إلى تقديرهم للمسئولية التي كُلفوا بها من قِبل مولاهم -عز وجل- انظر إلى قوم صالح -عليه السلام- فيما يحكيه الله -عز وجل- عنه: ((فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ)) [هود: من الآية: ٦٣] أي: من الذي يجيرني من العذاب إن خالفت أمره.
كذلكم فمن أغراض القصص القرآنية:



١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


التعرف على عبرة كل قصة، فآدم أبو البشر يتمثل فيه تصارع قوى الخير والشر في الإنسانية على مدى الحياة، ونوح، وموسى، وصالح، وهود، كل منهم تمثل قصته نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين، قال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ)) [يوسف: من الآية: ١١١] ذلك أن وظيفة القرآن الكريم هي الهداية إلى الطريق المستقيم، ودليل ذلك أن القرآن لم يسرُد تاريخ البشر أفرادًا وجماعات، أو تفصيلاً لحياة أمةٍ من الأمم للمتعة والتسلية، وإنما بقصد العبرة والعظة والذكرى.
فقد ذكر الحق -سبحانه وتعالى- في القصص أنه موعظة وذكرى للمؤمنين، وتجد ذلك التأكيد في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)) [الأنعام: ٦] وبعدها بقليل يقول سبحانه: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) [الأنعام: ١١].
بهذا ترى في القصة:
الإفادة من الطاعة، والتحذير من المخالفة، والتفطن لوحدة الأديان في التوحيد، والإيمان باليوم الآخر، وأصول العبادات. كذلكم فمن أغراض القصص القرآني:
تسلية الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتأسي بالسابقين من إخوانه على صبرهم، قال تعالى: ((وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)) [هود: ١٢٠] وقال سبحانه: ((وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)) [الأنعام: ٣٤] وقال -عز وجل-: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)) [الأحقاف: من الآية: ٣٥].


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


والنصان الأخيران يُفيدان أمر الرسول بمتابعة أحوال إخوانه من الرسل السابقين؛ حتى لا يكون أقل شأنًا منهم في تحمل الأذى من أقوامهم، فقد رُموا بالكذب، وأهينوا بألوان العذاب المختلفة، فصبروا؛ ثقةً منهم بوعد الله -عز وجل- وتأييده لهم.
ولذا كان -عليه الصلاة والسلام- يذكر إخوانه كثيرًا، فيقول فيما يرويه البخاري، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)).
كذلكم فإن القصص القرآني ركن من أركان الدعوة الإسلامية؛ لِمَا له من تأثير نفسي، وهيمنةٍ على القلوب، تتأثر به النفوس؛ بل يمس العواطف عند سماعه، ويسيطر على العقل والتفكير حتى يدفع الإنسان إلى عدم التفكير فيما سواه، وذلك للأتقياء وغيرهم، ذلك أن الآخرين يشعرون أنهم المقصودون بهذا الكلام، والنتائج التي تترتب على فعل غيره يمكن أن تترتب عليهم من حيث اشتراكهم جميعًا في السلوك والنتائج التي لا ترفع مستوى الإنسانية.



١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


ويُستفاد من هذه القصص أكثر لو أنها دُرست بفهم، وعاش معها الإنسان في وَحَداتٍ متناسقة، وأمكن الوصول بها إلى غاياتٍ محددة، واعتُبرت هذه الغايات مناهج يعيش عليها الإنسان، والداعي إلى الحق يلزمه بالضرورة أن يستند إلى هذه القصص باعتباره تراثًا ضخمًا صادقًا؛ للتعرف على ماضي الأمم، وللتعرف على سنة الله -عز وجل- فيها، قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)) [إبراهيم: ٥]. وسَوْقُ الأوامر والنواهي من خلال القصة تجعل لدى القلوب استعدادات لتقبلها؛ إذ القصة تميل إليها القلوب بالفطرة، وعلام الغيوب -عز وجل- يعلم أسرار النفوس، وفطرة الإنسان السليمة تقبل الخير العام إذا سِيق لها في أسلوبٍ مشوق، مُدعمٍ بالبرهان.
والقصص القرآني بما له من الخصائص في الأسلوب، والتأثير، والمنهج الذي لا نظير له، قادر على تثبيت الأخلاق، والقيم، وإرساء دعائم المجتمع الحضاري الذي يسبق كل المجتمعات حضارةً وتقدمًا، ذلك أنه في سجل العديد من تراث الأمم وحضارتها، وأسباب بقائها وفنائها، وهذا مما يحفز الأمم الأخرى على التمسك بأسباب البقاء، والبعد عن عوامل الهلاك والفناء.
ولهذا نجد أن نحوَ ربع القرآن -وهو ألف وخمسمائة آية تقريبًا- خاصٌّ بالقصص، وآي القصص تذكر ألوانًا مختلفةً للرسل ولغير الرسل كما وقعت، وبتكرارٍ في البعض، مع إبراز مواطن العبرة، كل ذلك لخير الفرد والمجتمع الصالح منه والطالح، من حيث أن الأول: يستزيد صلاحًا، والثاني: ينصرف عن غَيّه وضلاله بهذه الكثرة من حقائق السنن الكونية لو أراد لنفسه الهِداية، لا من أجل أنه تاريخ يسرد، مرتب الوقائع والأحداث، وإنما من أجل مس القلوب بالعظة والعبرة، وجذب النفوس الشاردة بتنوع موضوعاته.


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


عناصر القصة القرآنية

أما عناصر القصة القرآنية، فنرى أن قصص القرآن الكريم قد اشتمل على موضوع، وشخصيات، وأسلوب، وحوار، وعُقدة وحل، وفضلًا عن ذلك له هدف وغاية، وتأثير نفسي، بالإضافة إلى عنصر التشويق.
أما الموضوع:
فلكل قصةٍ من قَصصه اسم معين عُرفت به، كقصص سيدن آدم، وسيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى -عليهم الصلاة والسلام- وكذلك أصحاب الكهف، وأصحاب الأخدود، وغيرهم.
أما الأسلوب:
فالقرآن متميز على غيره من الأساليب من حيث: النظم واختيار الكلمات المُوحية، وهو في ذلك فريد في نوعه، فهو تارةً يكرر جانبًا من القصة بأسلوبٍ مختلف، وتارة لا يكرره، وقد يذكر الحوار في بعضها، ولا يُذكر في البعض الآخر حسبما يقتضيه الحال، وقد يبدأ القصة بذكر بطلها، أو يبدؤها بذكر قومه، وقد يسهب في الحديث، وقد يختصره اختصارًا.

١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


وأما الحوار:
فتراه قد حدث في الأعم الأغلب، فقد ذكر في قصة نوح مع قومه، وإبراهيم مع أبيه وقومه، كما حدث لهود، وصالح، وموسى، وغيرهم مع أقوامهم، كأصحاب الكهف، ويظهر ذلك واضحًا في قول الله تعالى: ((وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً)) [الكهف: ١٩].
كما تظهر في أصحاب الجنة في سورة "ن" وفيها يقول الله تعالى: ((فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ)) [القلم: ٢٦-٣٢].
وقد لا نرى الحوارَ في بعض قصص القرآن، مثال ذلك: قصة أصحاب الفيل، وقصة أصحاب الأخدود، تَقرأ في الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)) [الفيل: ١-٥] فهذه قصة قرآنية كاملة العناصر، لكنها خلت من الحوار.



١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


وكذلك ما تقرؤه في سورة البروج في قول الله تعالى: ((قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [البروج: ٤- ٩].
وأما العقدة وحلها بما تعارفوا عليه: فذلك نراه في كل قصةٍ قرآنية، وإليك أمثلة ذلك:

أولًا: قصة آدم -عليه السلام-

فقد أكل من الشجرة، والأكل منها مخالف للنهي، فالقارئ أو السامع حينما يعلم أن آدم قد خالف النهي يفكر ويسأل، وتذهب نفسُه مذاهب شتَّى، ويقول: ماذا سيحدث لآدم بعد مخالفته نَهْي ربه؟ وهذه عُقدة القصة، ولكن بأسلوبٍ إلهيٍ معجزٍ، وليس بإلقاء كلامٍ يُستغنى عنه في أغلب الأحيان، وحلُّها: ما ترتب على الأكل من الشجر من الخروج من الجنة، والهبُوط إلى الأرض، ونزع اللباس عنهما، وطلبه التوبة من ربه، وقبول هذه التوبة، نقرأ ذلك في قوله تعالى:
((وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة: ٣٥-٣٧].



١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


كما نقرؤها أيضًا في قوله تعالى: ((فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)) [طه: من الآية: ١٢٠].

ثانيًا: قصة سيدنا نوحٍ -عليه السلام-

فقد أمره الله بصناعة السفينة، وقد قام بهذه المهمة الخطيرة، وتلك عُقدة القصة؛ إذ يفكر القارئ أو السامع: ما الذي سيترتب على صنع هذه السفينة وهي في اليابسة لا في الماء؟ أهي سفينة النجاة، أم هي سفينة الهلاك؟ وحل العقدة: أنها كانت نقمةً على القوم الكافرين، ورحمةً لمن اتبع نوحًا -عليه السلام- من المؤمنين، قال تعالى: ((وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ)) [هود: ٣٧-٣٩].
والحل في قوله -عز وجل-: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)) [هود: ٤٠].


١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


من أنواع القصص القرآني

على أن للقصة أنواعًا كثيرة، نذكر منها ما لها جوانب متعددة، وما ليس لها هذه الجوانب، فقد تكون القصة ذات جوانب متعددة، تشتمل على حياة الرسول حتى تظهر جلية واضحة، وذلك: كآدم، وموسى، وعيسى -عليهم السلام:
فآدم خلقه الله من طين، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه الأسماء كلها.
وموسى ولد في مصر، وكتبت له النجاة من موتٍ محقق، حيث ألقى به اليمُّ إلى قصر فرعون ولكنه تربى فيه، ثم خرج من مصر فارًّا بذنب، وتزوج ابنة شعيب، وفي العودة من أرض مدين كلمه ربه، وأمره بتبليغ رسالته، ويبلغ الرسالة إلى فرعون وقومه، ويؤمن به السحرة، وينطلق مع بني إسرائيل تجاه سيناء، وينفلق له البحر معجزةً، ويمر سالمًا هو ومَن آمن معه، ويغرق فرعون وقومه، ويذكر القرآن الكريم مع قصته مقامه مع بني إسرائيل حتى تلقى التوراة، ويأمرهم بالعمل بما فيها.
وكذلك عيسى -عليه السلام- فقصته ذات جوانب متعددة، فهناك جانب ولادته المعجز، وهناك معجزاته من تكليمه الناس في المهد، ومن خلقه الطير بإذن الله، ومن إبرائه الأكمه والأبرص، ومن إحيائه الموتى بإذن الله، ثم رفعه إلى السماء وزعم اليهود أنهم قتلوه: ((وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)) [النساء: من الآية: ١٥٧].



١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


وقد تكون القصة ذات جانبٍ واحدٍ لا غير، وذلك مثلما نراه في قصة أيوب، وهود، وصالح:
فأيوب قصة الصبر، وتحمل البلاء، وهو وصالح قصة الدعوة إلى نبذ الشركاء مع الله تعالى.
ومن أنواع القصص كذلك:
ما ذكر فيه امتحان للأنبياء وفتنة، ثم قبلت التوبة منهم كآدم، ونوحٍ، وموسى، وداود، وسليمان، ويونس -عليهم جميعًا السلام:
فآدم تاب إلى الله بعد مخالفته النهي عن الأكل من الشجرة، ونوح لمَّا طلب من الله نجاة ابنه من الغرق، وقال له ربه: ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)) [هود: من الآية: ٤٦] تاب إلى الله تعالى قائلًا فيما حكاه الله - عز وجل- عنه: ((رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [هود: من الآية: ٤٧] فتاب الله عليه قائلًا: ((يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [هود: من الآية: ٤٨].
وموسى -عليه السلام- رجع إلى الله تائبًا بعد قتله القبطي الذي وكزه فقضى عليه: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ)) [القصص: من الآية: ١٦].

١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


وأما داود -عليه السلام- ففُتن حينما تسور عليه الخصم المحراب، ودخلوا عليه ففزع منهم، وظن أنهم أرادوا به شرًّا، وإن يكن الخوف أمرًا جبليًّا، لكن ترتب عليه سوء الظن بهم، وما كان يليق به وهو بين يدي مولاه أن يفزع من مخلوق، لكنه تاب إلى الله ورجع، قال تعالى: ((وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ)) [ص: ٢٤] فقبل الله -عز وجل- توبته وقال: ((فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ)) [ص: ٢٥].
ويونس -عليه السلام- نادى وهو في بطن الحوت: ((لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) [الأنبياء: من الآية: ٨٧] وكان قد ذهب مغاضبًا قومه، تاركًا إياهم، فخرج قبل الإذن له بالخروج.
ومن أنواع القصص القرآني كذلك:
قصص يُزيل بخاتمة تُساق للعبرة من القصة، ترى ذلك في بعض قصص سورة هودٍ -عليه السلام- فعقَّب على قصة نوحٍ -عليه السلام- في هذه السورة بقوله تعالى: ((تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)) [هود: من الآية: ٤٩] وهنا إشارة إلى ما جاء بأول السورة.
وعقَّب على لوطٍ -عليه السلام- بقوله تعالى: ((وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد)) [هود: من الآية: ٨٣].
وعقب على شعيب بقوله -عز وجل-: ((أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ)) [هود: من الآية: ٩٥].



١.٣ الحوار القصصي وأثره في الدعوة


وعقب على يوسف بقوله سبحانه: ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)) [يوسف: ١٠٢] وتأمل هنا كلمة: ((نُوحِيهِ)) في هذه الآية الكريمة، وعلاقتها بما جاء بأول السورة الكريمة.
وترى في سورة آل عمران تعقيبًا على زكريا ومريم -عليهما السلام- في قوله تعالى: ((ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)) [آل عمران: ٤٤].
كما نُلاحظ في سورة هودٍ -عليه السلام- أن الله -تبارك وتعالى- عقب على جميع ما فيها من قصص بقوله عُقيب قصة موسى: ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)) [هود: ١٠٠-١٠١].
كما نرى في سورة طه عُقيب قصة موسى كذلك قوله تعالى: ((كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً)) [طه: ٩٩] وفي سورة العنكبوت عقب على كل ما ذكر فيها بقوله -عز وجل-: ((فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [العنكبوت: ٤٠].
وهكذا يظهر لنا في جَلاء: أن القصة أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله -عز وجل- استُخدم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال القصص القرآني، ومن خلال كذلك القصص الذي أورده النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا أسلوب عظيم من أساليب الدعوة إلى الله -عز وجل.